الرعاية النفسية جزء أساسي من الرعاية الصحية الأولية، والعالم يُجمع على ذلك
30 أكتوبر 2025 – وللمرة الأولى في التاريخ، وضعت الأمم المتحدة الصحة النفسية على قدم المساواة مع الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والسرطان. الإعلان الجديد، الذي تم التفاوض عليه على مدى خمسة أشهر وحظي بدعم واسع من رؤساء الدول ووزراء الصحة، من المقرر أن يُعرض للموافقة النهائية في الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الشهر، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية (WHO).
يدعو الإعلان إلى إحداث تحول عالمي في طريقة تقديم الرعاية النفسية، بحيث تُدمج في العيادات والمراكز الصحية اليومية بدلاً من اقتصارها على المؤسسات المتخصصة، وذلك بهدف الوصول إلى أكثر من 150 مليون شخص إضافي بحلول عام 2030.
غير أن الأطباء والمختصين يحذرون من أن التحدي الأكبر ما يزال في سهولة الوصول إلى العلاج، إذ تشير التقديرات إلى أن أقل من 7٪ فقط من أكثر من مليار شخص يعانون من اضطرابات نفسية يحصلون على علاج فعّال، وغالباً ما تمتد فترات الانتظار للحصول على الخدمات لعدة أشهر.
وقالت الدكتورة هانا نيرني، الطبيبة النفسية والمديرة الطبية في شركة Flow Neuroscience البريطانية:
“أنظمة الرعاية الصحية التقليدية لطالما تعاملت مع الأمراض النفسية كمجرد أمر ثانوي، بينما تزداد مع مرور الوقت خطورتها على أمراض مثل السكري والسرطان والقلب. فالصحة النفسية الضعيفة تقلل من قدرة الإنسان على العناية بصحته الجسدية، وتؤثر على النوم والمناعة والهرمونات، مما يجعل الجسد أقل قدرة على مقاومة الأمراض المزمنة. والسؤال الحقيقي ليس لماذا لا نُعالجها بنفس الجدية، بل لماذا تأخرنا كل هذا الوقت؟”
وأظهرت دراسة حديثة شملت أكثر من 275 ألف شخص في أوروبا ونُشرت في Journal of Affective Disorders أن الأفراد الذين يعانون من أعراض الاكتئاب لديهم 57% أكثر من الأمراض المزمنة مقارنة بغيرهم، وأن المصابين بأمراض مزمنة معرضون للإصابة بالاكتئاب بنسبة أعلى بـ 1.5 مرة.
وقال الدكتور كولتر سينغ غارتشا، الطبيب العام في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) والمدير الطبي العالمي في Flow Neuroscience:
“عندما يدخل المريض عيادة الطبيب العام، يجب التعامل مع صحته النفسية بنفس سرعة التعامل مع ضغط الدم أو الحرارة. المشكلة ليست في الوعي، بل في القدرة على الوصول إلى العلاج. الحلول موجودة، لكنها لا تزال محدودة ولا تصل إلى كل الأطباء.”
ويضيف الدكتور غارتشا أن طول فترات الانتظار وكثرة وصف الأدوية أصبحا ظاهرتين عالميتين:
“تخيّل أن تنتظر شهوراً لتقابل الطبيب، وبعد عشر دقائق فقط تغادر ومعك وصفة دواء جديدة تضاف إلى قائمة طويلة من الأدوية. المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة يتناولون بالفعل عدة أدوية، ونحن بحاجة إلى خيارات لا تزيد العبء عليهم ولا تسبب آثاراً جانبية إضافية.”
ويشير الأطباء إلى أن هذه الأزمة تزيد الضغط على الأطباء في الرعاية الأولية دون معالجة جذر المشكلة، داعين إلى تسريع تبنّي الحلول التكنولوجية الحديثة مثل التحفيز الدماغي.
ومن بين الخيارات غير الدوائية، يبرز التحفيز الدماغي المنزلي كأحد الحلول القليلة المثبتة علمياً والقابلة للتوسع، حيث طوّرت شركة Flow Neuroscience جهازاً طبياً يمكن وصفه ومتابعته عن بُعد من قبل الأطباء. وفي تجربة تجريبية ضمن NHS، أظهر المرضى انخفاضاً بنسبة 71% في أعراض الاكتئاب.
“ما نحتاجه متوفر بالفعل، لكنه لا يزال محدوداً في بعض العيادات داخل المملكة المتحدة فقط،” يقول الدكتور غارتشا.
“دمج هذه التقنيات في الرعاية الأولية يجعل العلاج النفسي أكثر سهولة وأقل تكلفة، ويقلل من فترات الانتظار، ويمنح المرضى فرصة التعافي قبل أن تتفاقم الحالات إلى أزمات.”
ويؤكد الخبراء أن الدعم التنظيمي الأوسع سيكون ضرورياً لجعل هذه العلاجات قابلة للسداد ومُدرجة ضمن أنظمة الرعاية الصحية العامة.
وتختتم الدكتورة نيرني بالقول: “حتى قبل اعتماد إعلان الأمم المتحدة رسمياً، فإن الدعم الواسع له يُنهي فكرة أن الصحة النفسية تأتي في المرتبة الثانية. الخطوة التالية هي بناء الوصول الحقيقي، لأن التعافي من أي مرض مزمن يبدأ من دماغٍ سليم.”